محمد محمد أبو ليلة

115

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

إليهم في الآية كانوا قارئين كاتبين ، ولم يكونوا أميين ، غير أنهم كانوا يقرءون على نحو ما ، مستدلين بهذا على أن محمدا كان قارئا كاتبا ، على نحو ما أيضا ، ويتمسكان بما ورد في الرواية الضعيفة من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كتب بنفسه بعض الكلمات في وثيقة صلح الحديبية التي أبرمت عام 628 ميلادية ، بينه صلى اللّه عليه وسلم ، وبين وفد مكة الذي بعثوا به إليه . والكاتبان يدركان ، بلا شك ، ضعف هذه الرواية ، ومعارضتها بروايات أخرى ، أقوى وأثبت منها ؛ ولكنهما يتجاهلان ذلك لأنه لا يخدم غرضهما . يضيف بل ووات إلى هذه الرواية الضعيفة ما ورد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان قد كتب كتابا ، فيما يبدو ، بنفسه ؛ ثم طواه وسلمه لقائد سريته إلى نخلة ، قبل غزوة بدر بشهرين ، طالبا منه ألّا يقرأه إلا بعد مسيرة يومين ، بعيدا عن المدينة . ولسنا نرى في هذا دليلا على أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو الذي كان قد كتب الكاتب بيده ؛ ولو حدث ذلك لنقل إلينا صريحا ولتواتر العلم به ، ولاحتفظ الصحابة بهذا الكتاب . إنه من الأجدر أن يقال إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد أمر بكتابة الرسالة في سرية تامة لأنها تحمل معلومات تتصل بشؤون الدولة العسكرية ، وفضّل النبي صلى اللّه عليه وسلم لذلك أن يسلمها بنفسه لقائد حملته ؛ في هذا الوقت كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يجمع حوله لفيفا من الكتّاب الذين يكتبون له . ولمزيد التوضيح نذكر ما أورده السيوطي في ( الدر المنثور ) في تفسير ( آية الأعراف : 157 ) ، أن بعض السلف ومنهم الأعمش قالوا إن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يمت ، إلا بعد أن عرف القراءة والكتابة ، وهذا قول غريب ، بل شاذ ، إذ لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعلم من بشر البتّة ، بل من اللّه تعالى ، ويظهر أن القائلين بهذا الكلام ، وهو موقوف عليهم ، ولا يصلح أن يكون حجة البتّة ، رأوا أن معرفة القراءة والكتابة من كمالات النبوة ، التي ينبغي أن لا تفوت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الكامل المعصوم « 1 » . وهذا التوجيه غير مقبول وغير مقنع في الوقت نفسه ؛ فإن تعلم القراءة والكتابة ليس شرفا في حد ذاته ، وإنما لما يؤدّيان إليه من تحصيل العلوم والمعارف ، وبما يمكّنان من نقلها إلى الغير ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم قد أعطاه اللّه تعالى علوم الأولين والآخرين ، وقد انتشر علمه وهديه صلى اللّه عليه وسلم في الآفاق ؛ وأوجد أمما من العلماء في كل مجال من مجالات المعرفة الصالحة .

--> ( 1 ) حول الخلاف في موضوع أمية النبي صلى اللّه عليه وسلم انظر : الزرقاني مناهل العرفان في علوم القرآن ج 1 ص 365 .